الحلبي
219
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ثم إن الأسود بن عبد الأسد المخزومي ، وهو أخو أبي سلمة عبد اللّه بن عبد الأسد ، وكان رجلا شرسا ، سيئ الخلق ، شديد العداوة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « وجاء أنه أول من يعطى كتابه بشماله ، كما أن أخاه أبا سلمة أول من يعطى كتابه بيمينه كما تقدم قال : أعاهد اللّه لأشربن من حوضهم ، أو لأهدمنه ، أو لأموتن دونه ، فلما خرج إليه حمزة بن عبد المطلب ، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه » أي أسرع قطعها « فطارت وهو دون الحوض ، فوقع على ظهره تشخب رجله دما ، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه أي وشرب منه وهدمه برجله الصحيحة يريد أن تبر يمينه » فاتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض ، وأقبل نفر من قريش حتى وردوا ذلك الحوض منهم حكيم بن حزام . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : دعوهم ، فما شرب منه رجل يومئذ إلا قتل كافرا إلا ما كان من حكيم بن حزام فإنه لم يقتل ، ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه ، فكان إذا اجتهد في يمينه قال : لا والذي نجاني يوم بدر » . وعلى أن هذا الحوض كان وراء ظهره صلى اللّه عليه وسلم يكون مجيء هؤلاء للحوض من خلفه صلى اللّه عليه وسلم فليتأمل . « ثم إن عتبة بن ربيعة التمس بيضة » أي خوذة « ليدخلها في رأسه ، فما وجد في الجيش بيضة تسع رأسه لعظمها فاعتجر على رأسه ببرد له » أي تعمم به ولم يجعل تحت لحيته من العمامة شيئا ، وخرج بين أخيه شيبة وابنه الوليد حتى فصل من الصف ودعا للمبارزة ، فخرج إليه فتية من الأنصار ، ثلاثة إخوة أشقاء : هم معوذ ومعاذ وعوف بنو عفراء ، وقيل بدل عوف عبد اللّه بن رواحة ، فقالوا : من أنتم ؟ قالوا : رهط من الأنصار ، قالوا : ما لنا بكم من حاجة » وفي رواية « أكفاء كرام ، إنما نريد قومنا » أي وفي لفظ « ولكن أخرجوا إلينا من بني عمنا » أي وفي لفظ « أنه صلى اللّه عليه وسلم أمرهم بالرجوع فرجعوا إلى مصافهم ، وقال لهم خيرا » لأنه كره أن تكون الشوكة لغير بني عمه وقومه في أول قتال « وعند ذلك نادى مناديهم : يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : قم يا عبيدة بن الحارث ، وقم يا حمزة ، وقم يا علي » وفي لفظ « قوموا يا بني هاشم فقاتلوا بحقكم الذي بعث به نبيكم إذ جاءوا ببطلانهم ليطفئوا نور اللّه ، قم يا عبيدة بن الحارث ، قم يا حمزة ، قم يا علي ، فلما قاموا ودنوا قالوا لهم ، من أنتم ، أي لأنهم كانوا ملبسين لا يعرفون من السلاح » قال عبيدة : عبيدة ، وقال حمزة : حمزة ، وقال عليّ : عليّ : قالوا نعم أكفاء كرام ، فبارز عبيدة بن الحارث وكان أسنّ القوم ، كان أسنّ من النبي صلى اللّه عليه وسلم بعشر سنين عتبة بن ربيعة ، وبارز حمزة شيبة ، وبارز علي الوليد ، فأما حمزة فلم يمهل أن قتل شيبة ، وأما علي فلم يمهل أن قتل الوليد ، واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما أثبت صاحبه ، وكرّ حمزة وعليّ بأسيافهما على عتبة فذففاه » بالمهملة والمعجمة « واحتملا صاحبهما